المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية
2018/06/14 اليمن

"سباق مع الزمن" في اليمن: أكبر أزمة إنسانية في العالم

وبعد تشخيص المرض بسوء التغذية الحاد والشديد، سرعان ما يُعطى الطفل الماء والبلمبي نات ولبذي يتكون من زبدة الفول السوداني المحصنة بالحليب والفيتامينات. حقوق الصورة © الإتحاد الأوروبي/ إيكو/ بيتر بيرو...

المفوضية الأوروبية - المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية – (إيكو) - الخميس، 14 حزيران، 2018

 

يمتد الطريق المؤدي إلى القرى الجبلية النائية في منطقة ريمة باليمن عبر منظر خلاب يطل على مزارع مدرجة منحوتة في المنحدرات الجبلية الشديدة. ومن خلال التقدم عبر منعطفات لا نهاية لها، تتسلق مركبتنا ببطء بين جداول جبلية ومجموعة من المنازل الحجرية القديمة التي يبتلعها الضباب شيئاً فشيئاً.

المنطقة الجبلية النائية في منطقة ريمة باليمن.

 

يكمن جمال هذه الجبال في تناقضها الصارخ مع الواقع اليائس الذي يضرب الشعب اليمني. لا تزال الحالة في البلاد، التي تقع في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، تشكل أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة، حيث يحتاج أكثر من 22 مليون شخص - 80٪ من السكان - إلى مساعدات إنسانية أو حماية بعد أن تمزقت البلاد تحت نيران الحرب بين القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا والقوات المتحالفة مع حركة التمرد الحوثية. إنها حرب تركت أكثر من 11 مليون شخص في حاجة ماسة ومستميتة، بواقع زيادة بأكثر من مليون شخص في عام واحد فقط.

 

هذا وتعاني البلاد من أكبر تفشي للكوليرا في التاريخ الحديث، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من مليون حالة مشتبه بها في عام 2017 وأكثر من 2200 حالة وفاة، عدا عن الأمراض المعدية الأخرى، مثل الخناق، التي تنتشر أيضاً في البلاد.

 

أكثر من 22 مليون شخص - 80% من السكان - بحاجة إلى مساعدات إنسانية

 

تقع الحديدة التي تعتبر المركز التجاري الرئيسي في اليمن في الوادي في أسفل الميناء على ساحل البحر الأحمر. لقد أصبح هذا الميناء الكبير الآن ساحة المعركة الأخيرة في اليمن، مما أثار مخاوف من التشريد الجماعي المتجدد. وبما أن الغالبية العظمى من الواردات الغذائية إلى اليمن والمساعدات الإنسانية تمر عبر الحديدة، تحذر مجموعات الإغاثة من أن تعطيل الميناء قد يكون له عواقب كارثية على البلاد ككل.

 

وبينما تقترب سيارتنا من محطتها، يقود مجموعة من الرجال المحليين الطريق إلى المركز الصحي الصغير في القرية، بدعم من الاتحاد الأوروبي من خلال شريكته منظمة الأولوية الملحة الدولية ""Première Urgence، وهي منظمة إغاثية فرنسية. يكتظ المبنى الحجري بالمراجعين. وقد أحضر معظمهم أطفالهم الذين يعانون من سوء التغذية لتلقي العلاج الفوري والمكثف. يتم وزن الأطفال وقياسهم وتغذيتهم في إحدى الغرف الرئيسية.

 

تنادي ممرضة على عادل، وهو رجل في أوائل الثلاثينات، مع ابنه محمد البالغ من العمر تسعة أشهر، ثم تقوم بعد ذلك بقياس محيط ذراع الصبي العلوي، وهي طريقة سريعة وشائعة لتحديد سوء التغذية بين الأطفال.

 

"عشرة سنتيمترات!" تقول الممرضة، "إنه يعاني من سوء التغذية الحاد والشديد."

 

قبل بضعة أسابيع فقط، أحضر عادل ابنه الأكبر، أحمد البالغ من العمر أربع سنوات، إلى العيادة بنفس الأعراض.

 

يخبرني عادل أنه كان يعمل على نظام المياومة في العاصمة اليمنية صنعاء، على بعد ست ساعات بالسيارة إلى الشمال، لكنه قرر العودة مع اقتراب الحرب والغارات الجوية المستمرة.

 

قال عادل: "كان الأمر شديد الخطورة هناك. لذلك، قررت العودة إلى هنا، إلى قريتي الأم."

 

هناك الكثير مثل عادل ممن كانوا يعتمدون في السابق على دخل صغير وخدمات ثابتة في البلدات والمدن، ثم اضطروا إلى الفرار نحو المناطق الريفية. ومع وجود فرص قليلة للعمل، غالباً ما يجوع الناس في هذه الجبال، على حد  قول عادل. تتعرض موارد المجتمع لضغوط شديدة، كما أن العثور على مياه شرب آمنة قد بات أمراً صعباً، مما يؤدي إلى تزايد عدد الأطفال الذين يعانون من الإسهال المائي الحاد والأمراض الأخرى المنقولة بالماء. إن إمدادات العائلات من أقراص الكوليرا، التي تبرعت بها مجموعة إغاثية لغرض تنظيف المياه الملوثة، قد نفدت منذ وقت طويل.

 

"أطفالنا يعانون!"

 

على درج العيادة، ألتقيت ببشرى علي البالغة من العمر 21 عاما. وصلت بشرى إلى العيادة ظهرًا بعد أن مشت مع طفلتها شيما التي تعاني من سوء التغذية لمدة سبع ساعات عبر الجبال من قريتها المنعزلة.

 

"أطفالنا يعانون!" تقول بشرى "كل ما نأكله هو الخبز للإفطار والأرز والشاي للغداء. نحن لا نأكل اللحوم أبداً!"

 

كانت شيما تزن كيلوغرامين عند الولادة ولكنها الآن، بعد ثمانية أشهر، لا يتجاوز وزنها 3.5 كيلوغرامات، علماً أن الوزن الطبيعي للطفل في عمر شيما يجب أن يكون الضعف على الأقل.

إن الأطفال هنا هم من بين ما يقدر بنحو 400 ألف يمني دون سن الخامسة ممن يعانون من سوء التغذية الحاد، وفقاً للأمم المتحدة. لذلك، وفي بلد يحتضر فيه نظام الرعاية الصحية، يمكن للمراكز الصحية الصغيرة ومراكز التغذية مثل هذه أن تنقذ الأرواح.

 

يوضح توربن بروهن، الخبير الصحي في برامج المساعدات الإنسانية التابعة للاتحاد الأوروبي: "إن أكثر من نصف اليمنيين لا يحصلون إلا على القليل من الرعاية الصحية الأساسية، هذا إن حصلوا على أي شيء على الإطلاق، كما أن أقل من نصف مستشفيات البلاد تعمل على أرض الواقع. إن المرافق الصحية التي لا تزال تفتح أبوابها للمرضة مغمورة تماماً، وكثيراً ما يضطر العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى علاج المرضى في المباني التالفة بسبب عدم كفاية المعدات".

 

بالإضافة إلى ذلك، هناك نقص حاد في الأدوية في المستشفيات العامة مع انقطاع التيار الكهربائي المتكرر الذي يدمر تلك التي تحتاج إلى التبريد.

 

يقول بروهن: "لقد جعلت الحرب من الصعوبة بمكان جلب المهنيين الصحيين والأدوية والإمدادات الطبية عبر الخطوط الأمامية إلى المستشفيات المحتاجة. ومن الجدير بالذكر أنه يتم استهداف المستشفيات أحياناً بالضربات الجوية، مما يؤدي إلى مقتل أو إصابة الموظفين".

 

ولمواجهة الأزمة الإنسانية، خصص الاتحاد الأوروبي حوالي 234 مليون يورو كمساعدات إنسانية لليمن منذ بداية الحرب الأهلية في عام 2015. وقد تم الإعلان عن دفعة إضافية بمبلغ 37 مليون يورو من المساعدات المنقذة للحياة في نيسان 2018.

 

"إن أولويتنا الأكثر إلحاحاً الآن هي تزويد الناس بما هو ضروري لبقائهم: الغذاء، ومياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية والحماية" هذا ما قاله لي كريستوف ترنتي، المشرف على البرامج الإنسانية للاتحاد الأوروبي في اليمن، بينما انطلقت سيارتنا نحو سهول الحديدة الجافة.

 

"لكن الاحتياجات تنمو أكبر كل يوم،" يضيف ترنتي "إنه سباق مع الزمن!"

 

بقلم بيتر بيرو، المسؤول الإعلامي الإقليمي للمفوضية الأوروبية - المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية

صورة العنوان: حقوق الصورة © الإتحاد الأوروبي/ إيكو/ بيتر بيرو